رامي اليوسفي
هل تفكك ستوكهولم الشرعية بدلا عن الانقلاب والميليشيا ؟!
الاربعاء 5 ديسمبر 2018 الساعة 11:45

بقلم / رامي اليوسفي

ليس مجرد التفكير في الفخ الذي يختصره عنوان المقال ، فضلا عن التحذير والاحتراز منه يبدو مشروعا فقط ، بل واجب في هذا التوقيت الذي نشاهد فيه كل المؤشرات تعكس ميل كفة الأمم المتحدة الواضح والوقح - وبغير نزاهة - لصالح الميليشيا الإرهابية الانقلابية المرتهنة لإيران ضد الشعب اليمني وقيادته الشرعية المنتخبة ، وضد إرادة الجماهير اليمنية التي يمنعها القمع المفرط والقبضة الحديدية والإرهاب وسلوك بعض القوى المتحالفة مع الشرعية في التعبير الصريح عنها سواء كانت تلك القوى محلية أو إقليمية .

ولعل الشرعية أدركت بجلاء مخطط دفْع بعض الدول الكبرى الصريح لذراع الأمم المتحدة من جهة، وذراعها الدبلوماسي الوطني من ناحية موازية مساندة ، عبر تقديم الخدمات المجانية للميليشيا تحت يافطة الحالة الإنسانية التي تتذرع بها الآن فقط تلك القوى الدولية، بينما الحالة المأساوية منذ الانقلاب ذاته كانت سيئة للغاية ، وزاد وأجهز على ما تبقى فيها من رمق سلوك الانقلابيين والحرب ... فلما بدأ الشعب يلعق جراحه منفردا لا يعول على أحد معاونته، وتشكلت بداخله اعتمالات الثورة الجارفة، هرعت وتحركت تلك القوى الدولية وحركت مختلف أذرعها الإعلامية والسياسية والدبلوماسية والاقتصادية واللوجستية لدعم بقاء الطعنة النجلاء في خاصرة الشعب تقيد حركة كل الجذع والرأس والأطراف ..!

ستطول، وستكون عسيرة  - بحسب التوقعات وبحسب آخر تصريحات للولايات المتحدة بشأن المشاورات - مفاوضات التسوية السياسية، وذلك بالضبط كما يرسم مسمى القرار 2216 ملامح خطها الزمني مابين الأعوام من 2016 - حتى عام 2022 ، إذ كما رسمته بريطانيا التي تريد اليوم طمس مضمونه والإبقاء فقط اسمه وشكله فوق الخط الزمني للخطة التي رسمتها سابقا والتي سيتبقى منها منع تسلح الجمهورية في حال انتصرت الشرعية، هاهي بريطانيا ومن معها تريد اليوم وعبر قرار جديد وتحت نفس البند السابع في مجلس الأمن التخلص من تبعات منطوق القرار السابق بذرائع منطوق جديد لقرار جديد يحصر اولا كل الملف اليمني في حرج الوضع الانساني ، ومن ثم تطول الأزمة والحرب ، وتتقوى الميليشيا لتصبح أمرا واقعا، وتحقق أكثر من ٧٠٪ من حرث الهوية اليمنية، وتقدم تجربة ناجحة في تغيير وجه أمة نحو معتقد جديد على شعب بأسره ، جدير بعد ذلك بالتطبيق في مكان آخر ، مستخدمة لذلك الميكافيلية بأبشع صورها ، وما أمكن معها من تهيئة اكلينيكية وبث ثقافي وتسميم عقول جماعي ، متكئة إلى نسبة الأمية الأكثر ارتفاعا في الوطن العربي ، ونسبة الجهل المركب الذي قسم المجتمع ، وحرف وعي الجماهير إزاء الثورة المفترضة ضد الفساد في عام ٢٠١١م ، علاوة على السمعة السيئة جدا لتركة الفساد التي ماتزال تكبل الشرعية أيضا حتى اليوم،  والتي ماتزال إحدى أيقونات الموروث والثقافة التي كرسها نظام علي عبدالله صالح طوال اكثر من ٣٠ عاما من الحكم المنفرد شبه المريح .

التعويل اليوم على رضوخ الشرعية لفخ المفاوضات الطويلة والعسيرة يبدو أيضا من جانب الشرعية محاولة بائسة انكشف خبثها لدى وعي الشرعية مبكرا .. فالتعويل كذلك على اختبار صبر الشعب ، سيدفع الملل بالشعب ذاته قريبا جدا للثورة على الشرعية ، بات هذا السيناريو وهذا الأمر مدركا ومحل حسبان لدى الشرعية التي قالت بحزم إنها مقتنعة أن الميليشيا ومن يدعمها ويدفعها للعناد في وجه الشعب اليمني ليست جادة في البحث عن سلام شجعان ، وهي تريد فقط تسجيل نقاط لصالح من يدعمها عبر خارطة الوقت، وإطالة الأزمة .. فالشرعية حزمت أمرها مبكرا في هذا الأمر، وقطعت الطريق على الواهمين بإمكانية أو حتى جدوى استغفالها، فقالت إن فشل هذه الفرصة سيدفعها للحسيم العسكري الذي يدرك كل معسكر الشرعية وكذلك التحالف ان لا خيار آخر يمكن للميليشيا ان تفهمه سوى الكسر العسكري كما يصرح دوما شاهد من أهل الميليشيا هو (علي البخيتي).

في أماني الحوثيين ومن يدعمهم في الشرق والغرب وداخل الأمم المتحدة علاوة على إيران والمعسكر الشيعي بطبيعة الحال أن يتم استغفال الشرعية والتحالف، وإشغاله بالمفاوضات، وفي الخفاء يتم تزويد الحوثيين بأسلحة تغير مسار المعركة في الحديدة ولاحقا في جميع الجبهات، بداية من تحييد طيران الأباتسي الهجومي والدفاعي معا، ولاحقا الطيران الحربي بشكل عام، لتنقلب في المحصلة هزيمة الميليشيا إلى انتصار ، ومن ثم أمر واقع يفرض نفسه على العالم أجمع وليس فقط محليا يليه الجوار السني والإقليم العربي ومحيطه ..!! ولكن الجميع يتناسى - عن عمد - غضبة الشعب الذي لن يبقى طويلا يتفرج على كل ذلك، وبالطبع كأي شعب حي لا يمكن تخديره أو رشوته بوعود أو حتى أفعال عبر قنوات الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية والإنسانية المختلفة وهو يدور في خلده أنها جميعا تحاول إبادته جماعيا عبر تسميمه بموادها وبضاعتها التالفة او المسمومة او المهينة التي تقدم له ، وينظر لها ولجميع ما يصدر عنها بريبة حتى ان حملات التحصين ذاتها بدأ كثير من المواطنين مقاطعتها لذات الريبة ..!! فقد شاءت الظروف أن تخذل الشعب اليمني كل تلك القنوات المتمسحة بالإنسانية طوال السنوات الماضية، وهو يدرك جيدا كيف ولماذا هبت الآن فجأة تتحدث عن مأساته، وفي ذات الوقت تحاول أن تمنع او تحاول أن تنسيه او ستحاول قريبا أن تفرغ شحنة ثورته ضد جلاديه ..!

ولأجل كل ذلك - وبالتالي أيضا - يتبين أنه حتى ولو حاولت مختلف القوى اللعب في أي هامش، أو التآمر على الشعب ، وإيجاد حلول مؤقتة تنتقص من وعي الشعب الذي توحد عند الجاهل والمتعلم، والمثقف والأمي، والنخب والمجاميع الشعبية، وصار لجميع هؤلاء ثارات متراكمة ضد الانقلابيين ومن يساندهم، كل محاولات إنقاذ قارب الانقلابيين الغارق لن يجدي نفعا، حتى ولو حاولت كل القوى العالمية مجتمعة تكرار سيناريو سوريا بدعم الميليشيا بأسلحة فتاكة لتكرر مآسي الغازات السامة والتغاضي عن استخدام الأسلحة المحرمة - كما يحصل حاليا في بعض مناطق الساحل الغربي - جميعها لن تفلح، لأنه لا حاضنة شعبية للانقلابيين ، وما صبر الناس على الانقلاب حتى الآن إلا آخر محاولة لضبط النفس قبل الانفجار ، إذ لم يعد للناس قدرة على التحمل أكثر، والحكمة اليمانية والصبر والحلم قد استنفد كل مساحته وزاد ، ولم يعد المتبقي وما سيحصدوه حتى من رفاهية مستقبلا بأكثر مما خسروه ، إذ أن الخلاص بثورة عارمة هو أبسط ما يمكن تقديمه لمستقبل هذه الأرض والاجيال ، مهما كلف من أمر وثمن .

لكن وبالرغم من ذلك .. حذار ثم حذار ثم حذار من فخ تقديم الميليشيا أي طعم للشرعية يظهر نوعا من التنازل الظاهري لها ولو بتحريض دولي ، بحجة الرغبة في إنقاذ رقبتها، أو الخروج بماء الوجه، ثم تكون وعودا مؤجلة ولو بضمانات دولية.. فمخطط المؤامرة المعلوم للشعب يقتضي انتزاع تنازلات في المقابل من الشرعية التي لا تستطيع لاحقا ولا تتقن النكوص عنها ، ولا تحسن التراجع أو نقض المواثيق والانقلاب عليها كما تفعل الميليشيا الانقلابية ، فالكلفة باهضة مقدارها تمرير كل المخطط الذي نحاول جميعنا الخلاص منه.

المقالات